هناك شرخ كبير في العلاقة بين الفتاة العمانية والشابّ العماني يبدأ منذ سنٍّ مبكِّرة. ويمكن ملاحظة ذلك على وجهٍ أدقّ في سلسلة المنظومة التربوية التعليمية التي يمرُّ بها الفتى والفتاة طوال حياتهما الدراسية. يمكننا تتبّع تطور نظام التعليم في عمان لكي نصل إلى مناقشة فكرة الشرخ في العلاقة وما يترتّب عليها من آثار على حياة الطرفين.
ففي الماضي، وتحديدا في مرحلة الثمانينيات –وهي مرحلة ليست ببعيدة جدا عن اليوم- كان الصبيان والبنات يتقاسمون الطاولة الدراسية في كثير من مدارس البلاد، بل ويتزاحمون في الجلوس على الكرسي الطويل نسبيّا، وكان ذلك يحدث بدءً من الصف الأول وحتى السادس، وأحيانا حتى المرحلة الإعدادية. غير أن هذا النظام لم يكن عفويّا تماما، وإنّما فرضته طبيعة المرحلة التي كانت تمرّ بها البلاد، حيث كان عدد المدارس محدوداً جدّاً ولا يستوعب وضع البنات في مدارس مستقلة. وكان هذا الوضع ينطبق على المدارس الابتدائية خاصة، لأن عدد الطلاب والطالبات في المرحلة الإبتدائية آنذاك كان يفوق عددهم في المرحلتين الإعدادية والثانوية.
ومع تحسين البنية التحتية في البلاد وتطورها بدأ عدد المدارس يزداد بسرعة؛ الأمر الذي ساعد على توفير مدارس إبتدائية خاصة بالبنات. ثمّ حدثت نقلة تطورية نوعيّة وكميّة في نظام التعليم بتطبيق نظام التعليم الأساسي الذي أتى بفكرة تقدميّة تقضي بضمّ البنات والبنين في نفس المدرسة في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي والتي تبدأ من الصف الأول وتنتهي بالرابع. وأصبحت طريقة التدريس حديثة وممنهجة تهتم بجعل الطلاب والطالبات يجلسون معا إلى طاولة مستديرة بحيث يتقابلون ويتبادلون النقاش وممارسة الأنشطة. في هذه المرحلة يبدو الأمر طبيعيا وفطريّا في العلاقة بين الفتى والفتاة، وتجمعهما قاعة الدرس وساحة المدرسة والفسحات على نحوٍ يليق بكائنٍ بشريٍّ متحضِّر.
لكن ماذا يحدث بعد تخطيهما المرحلة التعليمية الأولى؟
ينتقل الفتاة والفتى إلى المرحلة التعليمية الثانية التي تبدأ من الصف الخامس وحتى الثاني عشر، لكنهما ينفصلان ويبتعدان عن بعضهما البعض؛ فلا صفٌّ يجمعهما ولا مدرسة، ولا يعودان ذينك الطفليْن اللطيفيْن أو المشاكسيْن اللذيْن يؤديان تدريبات طابور الصباح معا، ويتشاركان في نفس الطاولة، ويستخدمان نفس الكمبيوتر. تذهب الفتاة إلى مدرسة خاصة بالبنات، ويذهب الفتى إلى مدرسة خاصة بالفتيان. تحدث كل هذه النقلة هكذا خبط عشواء، دون مناقشة الطرف المعنيّ ودون دراسة الآثار المتوقعة.
وهنا يبدأ الشرْخ. إنّ الفتاة والفتى حتما سيتعرضان لتشوّش ذهني ونفسي بسبب هذا الفصل المفاجىء. سيقول قائل أن ذلك ليس فصلا مفاجئا لأن الطالب والطالبة يعرفان مسبَّقا طبيعة النظام التعليمي السائد، ولكنّ هذا التبرير يصحّ على مستوى المعرفة ولا علاقة له بالتفكير والشعور. وأيضا سينافح الكثيرون عن فكرة الفصل بدعوى حماية الناشئة والمجتمع من الاختلاط والرذيلة. إنّ فرض هذا الفصل لدواعي دينية واجتماعية وأخلاقية غير حقيقية من شأنه أن يكرِّس ذهنية العيب والحرام الواهمة في ذهن الفتى والفتاة الذي لا يزال في طوْر التشكّل والنموّ، وهي مرحلة ليست بهيّنة في تكوين المبادئ والأفكار.
وهذا الفصل هو الذي يُحدِث لفتاً لانتباه الفتاة والفتى إلى أمور لا تكون أساساً حاضرة في ذهنيهما الغضيَّن، ونتيجة لهذا الفصل تبدأ سلسلة لا حدّ لها من الأوهام الاجتماعية والأخلاقية بنهش عقليْهما ونفسيْهما؛ فتتكوّن لدى كلّ منهما أفكار مَرضية وواهمة وغامضة عن الآخر بدون أن يكون هناك تثقيف نفسي وذهني وجسدي من المحيطين. يحدث ذلك بتعزيز من التربية البيتية الغارقة في التوبيخ والتقريع والتخويف بدون إبداء أسباب واضحة. وتستمر تابوهات المجتمع والأخلاق في التوغّل حتى يبدو الأمر كأنه طبيعي وينبغي التسليم به بالنسبة إلى الجميع، ويظل الوضع على هذا النحو ثماني سنوات متتالية من الدراسة يغذّيه الأهل والعادات والتقاليد.
ثم يحدث القطْع الكبير والشرخ المضني. الفتاة والفتى المراهقان يخرجان إلى الجامعة أو الكلية أو المعهد أو سوق العمل ليلتقيا فجأة بعد فصل دام ثمانية أعوام حدثت خلالها تحوّلات نفسية وذهنية وجسدية كبيرة، يلتقيان وكل منهما لا يعلم شيئا عن الآخر أكثر من الاختلاف الجسدي المكرَّس. وفي هذه المرحلة يكونان مثقلين ذهنياً ونفسياً بشتَّى الترسُّبات والأفكار المتناقضة. أمّا الطلبة الذين يدرسون اللغة الإنجليزية والمواد العلمية في الجامعة؛ فيقعون في أشدّ الحرج حين يفرض الأستاذ الأجنبي على طالب أن يجلس قبالة طالبة أو العكس، أو يطلب من كليهما التحاور بالإنجليزية.
وأذكر عندما كنتُ طالبة في الجامعة أنَّ تدخُّل الأساتذة الأجانب في فرض مثل هذه المواقف على الطلاب والطالبات أحدث آثارا سلبية لدى الكثيرين عندما كانوا يرفضون الجلوس إلى نفس الطاولة أو متقابلين، فما يكون من الأستاذ إلا أن يستاء ويعاقب الطالب أو الطالبة بخفض درجاته أو درجاتها. ويبلغ الأمر أحيانا حدّاً يذهب فيه الطلاب الرافضون إلى رفع شكوى ضد الأستاذ لأنه –في اعتقادهم- يجعلهم يتصرفون بشكل ينافي الأخلاق والتقاليد! ومن الآثار التي أدّى إليها الفصل المبكّر أن خُصِّصت ممرّات للفتيات وأخرى للشباب في بعض الكليات، ويحدث داخل القاعات الدراسية ما يشبه الاتفاق الضمني أن يجلس الشباب في الصفوف الأمامية والفتيات في الصفوف الخلفية. وهذا في حدِّ ذاته تناقض كبير وغير منطقي؛ أنْ تبدو الدراسة مختلطة ظاهريا بينما ينفصل الطلاب والطالبات داخل القاعة الواحدة وتُخصَّص ممرات ومقاهٍ للطالبات وأخرى للطلاب. ولكن تبقى الجماعات الطلابية ونشاطاتها عزاءً في هذا الصدد رغم عدم خروجها عن متاهة التناقض أيضا، ويكون على الطرفين أن يشقّا طريقيهما وسط هذه المتاهة.
تُعدّ مرحلة الدراسة الجامعية عاملا مهمّا في مراجعة الذات وإعادة تربيتها وتشكيل رؤاها الخاصة، ويلتقي الطلاب والطالبات من كل حدب وصوب باختلاف اهتماماتهم وتخصصاتهم العلمية، مما يجعل الجامعة مسرحا لتبادل الأفكار والتجارب والنقاشات. ورغم ذلك، تبرز إشكالية العلاقة بين الطرفين كأنها أمّ المشكلات. فالكائن القادم من مختلف مناطق البلاد وقراها وجبالها يحمل في داخله الحياة التي تشرّبها وتغذّاها بين ذويه وفي مدرسته، ثم يُفاجأ بعالم مختلف، وتحدث صدمة ثقافية مهمة في تشكيل الواقع الجديد. وهذه الصدمة كفيلة بإحداث تفتيت لمنظومة التفكير السابقة وخلخلة الوعي القديم لإدخاله في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، حيث تكون هذه المرحلة بمثابة مواجهة مع النفس والآخر، وتنبيه إلى ضرورة إعادة بناء التفكير بطريقة مغايرة، سواء بالتحرّر التدريجي من الأفكار المسبّقة أو بالانكفاء والتراجع والانزواء، والحالة الثانية لا يسلم منها الكثير من الفتيات والفتيان، فهم كمن في المهب، تتلاعب به الريح وتتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال وما من جهة يستقر عليها. وبسبب هذه الصدمة النفسية القاسية يعاني الكثيرون من الخجل والتوحّد والعزلة الخانقة خوفا من الوقوع في المعصية والخطأ. فينشأ الفرد خائفا مترددا من الاقتراب من الطرف الآخر إلا بتوجس وخجل.
ثمّ تحدث الطامة العظمى: كيف يختار مثل هذا الكائن شريك حياته؟ لا يحدث هنا اختيار إلا مُصادفةً، ما يحدث في الأعمّ الأغلب علاقات غرامية سريّة أو زيجات تقليدية يفضي معظمهما إلى روابط صمّاء لا روح فيها إن لم تنتهي بالطلاق، أو إلى خيانات شتّى كما يحدث في الواقع. هذه ليست نظرة تشاؤمية، بقدر ما هي واقع لا يمكننا تجاهله، ولأننا نفتقر كثيرا إلى بحوث ودراسات وإحصائيات علمية موثوقة، نلوذ بسهولة إلى ابتسار الأشياء وتقزيمها ونعتها بالحالات الفردية، وكأن هذه الحالات ليست إنسانية جديرة بالدراسة والبحث. إن الناظر إلى هذا الوضع عن بُعْد يظن أنّ كلّ شيء يمضي بانسجام وعلى ما يُرام، ولكنّ هذا المنظر خادعٌ ومموِّه، فالأشياء التي تبدو سليمة على السطح يحدث نقيضها في الخفاء. وأبرز دليل على ذلك العلاقات العاطفية السرية وتضارب المشاعر والأفكار. فالفتاة والشاب لا يلتقيان لقاء إنسانيا طبيعيا يثريه النقاش والحوار والصداقة المتبادلة، لأن ذلك غير مشروع ولا يفضي إلا إلى فهم وحيد مغلوط: الوقوع في الحرام، وتصبح سمعة الفتاة سيئة (لأنها تكلّم الشباب وتبتسم لهم)، ويصير الشابّ (صايع وصاحب صولات وجولات في تصيِّد البنات).
فماذا يبقى أمام الكائن البشري هنا إلا أن يكون فصاميّا ومتناقضا! حين يشتكي الكثيرون من انحلال الأخلاق وانتشار العلاقات العاطفية السريّة التي غالبا ما تنتهي بشكل مأساوي، يُرجعون الأسباب إلى تغيّر الزمن وابتعاد الناس عن الدين والأخلاق والعادات والتقاليد وانسياقهم وراء الغرب الكافر، -وكأنّ شرقنا هو الطاهر البريء منذ الأزل وحتى الفَناء-، هذا التبرير الساذج جاهز وحاضر دائما، ويبقى نظرة عاطفية خنوعة لا علاقة لها بقراءة المتغيّرات ومواجهة المشكلات، نظرة بعيدة كل البعد عن مساءلة العقل والواقع، فالحل السحري هو الرجوع إلى الدين والأخلاق اللذين أصبحا شمّاعة نعلّق عليهما كل إخفاقاتنا.
الأمر الذي يؤسف حقّا في مجتمعاتنا أن الكثيرين منّا غير مستعدين لإعمال عقولهم والنظر بعين الناقد إلى ما يطرأ من مشكلات، وإلى أن ما يحدث من مشكلات أخلاقية بين كثير من الفتيات والشباب لا يمكننا تحديدها في مجرّد البعد عن الدين والأخلاق والاستسلام لمغريات الفضائيات والإنترنت، الأسباب بعيدة وموغلة في القدم تعود إلى التربية، منذ الطفولة المقموعة والمراهقة المشروخة المدججة بأسلحة العيب والحرام دون إيلاء أدنى اهتمام بما هو العيب والحرام وبتوعية الطفل وتثقيف المراهق في جسده ونفسه، فتنشأ الأفكار الخاطئة التي تقود بدورها إلى ممارسات خاطئة، فيتحوّل فضول كثير من الطرفين في التعرّف إلى بعضهما البعض إلى استخفاف وتلاعب وطيش وعلاقات عاطفية مريضة، فيرى الفتى الفتاة كائنا مجهولا وومحفوفا بالعيب والممنوع، فيسعى هو الآخر إلى وضع فرضياته ونظرياته الخاصة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وأما الفتاة فتكوّن في ذهنها صورة لكائن متوحش يمكنه الانقضاض عليها في أيّة لحظة.
ولا تنفكّ مثل هذه التصورات تقلب الأشياء رأسا على عقب فتكون الفتاة (الإنسان) كائنا ضعيفا في كل حالاته والفتى (الإنسان) مخيفا في شتّى حالاته. أقول الإنسان لأن الأفكار الواهمة والمشكِّكة هي التي تمحو هذين الإنسانين وتبقي على كائنين جنسيين بأعضاء تناسلية مستعدة لممارسة الرذيلة إذا لم تكن هناك عين تحدجهما وتراقبهما دون إجادة ما يسمى بالحوار. وفي ظل غياب الحوار بين الأجيال تبقى الوصاية والرقابة هما الورقة الرابحة في يد المجتمع، ويا لهما من وصاية ورقابة! على المرء في مجتمعنا أن يبذل قصارى جهده ليربي داخله إنساناً سوِّيّاً متماسكاً وليزيح عن كاهله إرثا ثقيلا من ثقافة تحريمية تكفيرية، لأنه ينشأ ليس فقط على الفصل والعزل عن الطرف الآخر، وإنما يُفصَل ويُعزَل عن ذاته أيضا بإخضاعه لثقافة لا ترى منه إلا جسده الذي ينبغي محاصرته ووضعه في قالب جاهز ومهيأ له منذ الطفولة.